إن لم يدافع الشعب اليمني عن نفسه وعن قراره السياسي وعن موارده التي تنهب وتصادر أمام عينيه، ويفرض السلام فرض، بعيداً عن شعارات المتصارعين على السلطة وعلى الثروة؛ فقد تكون اليمن قريباً ساحة لحرب ضروس بين الشرق والغرب كما هي اليوم قائمة على الأراضي الأوكرانية؛ خاصة في ظل استمرار القوى الدولية الكبرى في التنافس للسيطرة على منابع الطاقة وطرق مرورها بغية تشغيل هذه القوى لمركباتها الصناعية المدنية والعسكرية وتصريف وبيع سلاحها القديم.
نعم ستتجه القوى الدولية الكبرى المتنافسة اليوم إلى اليمن لمعرفتها بأن اليمن غنية بالموارد الطاقوية وبالثروات المعدنية وتطل على أهم ممرات الملاحة الدولية، وما نراه في النيجر اليوم ما هو إلا مثال بسيط لما هو قادم من تعدد بؤر الصراع على منابع الطاقة وخطوط مرورها، فالأقطاب العالمية اليوم متواجدة بقواعدها وأساطيلها العسكرية في القرن الأفريقي والبحار الملاصقة للمياه الإقليمية اليمنية. اليوم المليشيات الحوثية للآسف، وهي من الأسباب الرئيسية للحرب في اليمن، عندها تناغم نسبي مقارنة بــ(الشرعية)، وتحكم السكان تحت سيطرتها بقبضة من الحديد والنار وتضييق للحريات، في مقابل معسكر ضعيف ومفكك؛ فتفكك (الشرعية) أدى إلى سيطرة الحوثيين على مناطق كثيرة شاسعة وعزز من قوة الحوثيين، كما أن (الشرعية) اليمنية لا يوجد لديها قوة عسكرية واحدة؛ بل هناك عدة قوى عسكرية تتبع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، حتى أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، الذي من المفترض أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة تحت هذا الوضع غير السوي قام بإنشاء قوات تابعة له تسمى درع الوطن؛ فجميع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي لديهم قوات عسكرية على الأرض كالقوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، والإخوان المسلمين في مأرب، وهناك قوات في حضرموت وقوات سلفية في شبوة، وقوات في الساحل الغربي.. في المحصلحة قوات من المفترض أن تكون جميعها تتبع الرئيس العليمي وتنفذ أوامره ولكن هذا ليس موجود، بل أن الرئيس العليمي نفسه لا يستطيع رجوع المناطق المحررة في اليمن إلا بموافقة من قادة القوات العسكرية/ المليشاوية هناك، الأمر نفسه بالنسبة لأعضاء الحكومة (الشرعية) ورئيسها، وبالتالي فعدم وجود مؤسسة عسكرية وأمنية واحدة لدى (الشرعية)، بل لا يوجد حتى تنسيق بين الجيوش المتعددة المحسوبة على (الشرعية) كل ذلك أدى إلى استمرار تواجد مليشيات الحوثي وعزز من تغولها. أيضاً مجلس القيادة الرئاسي نفسه لا يوجد فيه تناغم أو انسجام، فهو يعمل بمعزل عن الحكومة (الشرعية)، والأخيرة لديها صراع مع مجلس نواب (الشرعية)، فعلي سبيل المثال قبل أيام اتهم برلمان (الشرعية) الحكومة اليمنية، القائمة على المحاصصة، بالفساد وتبديد المال العام وذلك من خلال خطاب رسمي وجهه رئيس برلمان (الشرعية) لرئيس الحكومة معين عبدالملك، هذا البرلمان نفسه الذي لم يستطع أن يجتمع ويمارس دوره الدستوري في خدمة الشعب اليمني. يأتي الصراع داخل معسكر الشرعية مترافقاً مع استمرار مليشيات الحوثي بغسل أدمغة النشئ والشباب عبر دورات تسميها المليشيات بالثقافية، ومتزامناً مع استمرار المليشيات في تغيير المناهج الدراسية وتجريف الهوية الوطنية، كل ذلك مع تصعيد عسكري للمليشيات الحوثية في عدد من الجبهات كجبهة مأرب وعلى الحدود الشطرية سابقاً بين محافظتي البيضاء ولحج، وغيرها، وسط (تخوف) دولي من انهيار الهدنة غير المعلنة أو ما يسمى بوضع اللا حرب واللا سلم لصالح اندلاع حرب أشد وطأة واتقاد، بالإضافة إلى نشاط لافت لتنظيم القاعدة في المناطق (المحررة). استمرار المشهد اليمني المؤسف سياسياً وعسكريا أدى إلى زيادة الفقر، الجوع، الحرمان، انعدام الخدمات والنهب لموارد ومقدرات الشعب اليمني لصالح القوى والمليشيات المتصارعة التي يبدو أنها متفقة فيما بينها على إبقاء الوضع على ما هو عليه؛ يمن مففت مقسم إلى دويلات متناحرة يقودها أمراء حرب؛ فمجيء السلام وقيام الدولة اليمنية سيحرم هذه القوى المتصارعة وقادة الكانتونات الناشئة من مصالحها وامتيازاتها ومكاسبها. الانسداد السياسي وغياب آفق الحل في اليمن ترافق مع احتفالات حزب المؤتمر الشعبي العام بالذكرى 41 لتأسيسه، هذه الاحتفالات التي كشفت عن رغبة شعبية يمنية لعودة قيادة المؤتمر الشعبي العام لقيادة اليمن من جديد، وعندما اتحدث هنا عن قيادة المؤتمر الشعبي العام، أقصد بها تلك القيادة التي ليست طرفاً من أطراف الصراع اليوم ودائما ما رفضت وترفض استمرار الحرب العبثية وتنادي بوقف نزيف الدم اليمني وتنشد السلام والوئام كمصلحة عليا وأولوية للشعب اليمني اليوم.